افتح بابك للحياة: كنوز الطيبين في رحاب التجربة مقال جديد للشيخ الدكتور محمد مصطفى ظاهر الجندي
افتح بابك للحياة: كنوز الطيبين في رحاب التجربة
في زحام الحياة، قد يميل البعض إلى الانعزال، متحصنين خلف أبوابهم خوفًا من خيبات الأمل أو سوء الظن. يرى البعض أن العالم مكان قاسٍ، وأن البحث عن الطيبة بات ضربًا من الخيال. ولكن، هل هذا هو المسار الأمثل؟ هل يعني الخوف من القلة السيئة أن نحرم أنفسنا من لقاء الكثرة الطيبة؟ الإجابة واضحة: لا.
إن العزلة، وإن بدت ملاذًا آمنًا في بعض الأحيان، هي في حقيقتها سجن للنفس، تحرمها من النمو والتطور والتعرف على كنوز البشر. فالحياة ليست مجرد مسرحية تعرض علينا مشاهدها من بعيد، بل هي دعوة للتفاعل، للمشاركة، ولاستكشاف ما يخبئه لنا القدر من وجوه وخبرات.
كلما زادت دائرة معارفنا، كلما زادت فرصتنا في لقاء أناس يحملون في قلوبهم الخير، وينشرون حولهم الدفء، ويسعون لما فيه صلاح غيرهم. نعم، قد نصادف بين الحين والآخر من لا يحملون نوايا حسنة، أو من تسيطر عليهم الأنانية، وهذه حقيقة لا يمكن إنكارها. ولكن، الحكمة تكمن في ألا نجعل هذه التجارب السلبية القليلة تهيمن على نظرتنا للحياة بأكملها. إن وجود النسبة السيئة لا يلغي وجود النسبة الطيبة، بل ربما يزيدنا تقديرًا لها.
فالعالم مليء بالأشخاص الذين يحبون الخير للآخرين بقدر ما يحبونه لأنفسهم، والذين يمدون يد العون دون تردد، والذين يضيئون دروب من حولهم بكلمة طيبة أو فعل حسن. هؤلاء هم كنوز الحياة الحقيقية، والوصول إليهم يتطلب منا الشجاعة لفتح أبوابنا، للمبادرة بالتعارف، ولخوض غمار التجارب الإنسانية المختلفة.
إن الله سبحانه وتعالى، في حكمته وعلمه، لم يتركنا في حيرة من أمرنا. بل وجهنا إلى أن نكون جزءًا فاعلًا في هذا الكون الفسيح. يقول تعالى في كتابه الكريم: "أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا" (النساء: 97). هذه الآية ليست دعوة للهجرة الجسدية فحسب، بل هي دعوة أعمق للهجرة الروحية، لهجرة العزلة والانغلاق إلى رحاب الفتح والتعارف. هي دعوة للتجول في أرجاء الأرض، ليس فقط لاكتشاف الأماكن، بل لاكتشاف البشر، والتعرف على تنوعهم، والبحث عن الطيبة الكامنة في نفوس الكثير منهم.
فلا تدع الخوف يسيطر عليك، ولا تجعل تجارب سلبية سابقة تحكم عليك بالإغلاق. انطلق في رحاب الحياة، كن مبادرًا، كن منفتحًا، وسوف تجد أن العالم أوسع بكثير مما تتصور، وأن كنوز الطيبين تنتظرك في كل زاوية، جاهزة لتضيء حياتك بالحب والخير.
Post a Comment