Header Ads

test

مقال لماذا شرع الله رجم الشيطان في الحج؟ حكمة بالغة ودلالات عميقة للشيخ الدكتور / محمد مصطفى ظاهر الجندي


 لماذا شرع الله رجم الشيطان في الحج؟ حكمة بالغة ودلالات عميقة

يُعدّ رجم الجمرات في مناسك الحج من الشعائر العظيمة التي قد يتبادر إلى الذهن بعض الأسئلة حول حكمتها. فهل يحتاج الإنسان حقًا إلى إظهار كراهيته للشيطان؟ وهل يمكن لأحد أن يحب الشيطان أو يميل إليه؟ قد تُجيب على الفور بـ "لا"، ولكن الواقع يُشير إلى أننا جميعًا في حاجة ماسة إلى تجديد هذه الكراهية في قلوبنا، وإظهارها لأنفسنا أولًا، ولربنا ثانيًا. فكم من الناس من يقع في حب المعاصي، أو يميل إلى أفعال الشيطان دون أن يُدرك ذلك بوضوح.


الشيطان: عدو مبين ودسيسة خفية

إنّ الشيطان، لعنه الله، عدو للإنسان منذ الأزل، وقد حذرنا الله منه في كتابه الكريم. قال تعالى: "إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ" (فاطر: 6). هذه الآية الكريمة تأكيد صريح على عداوته، وتوجيه إلهي باتخاذه عدوًا حقيقيًا.


ولكن الشيطان لا يأتي للإنسان بصفته الصريحة مُعلنًا عن دعوته إلى النار، بل يتسلل إليه بخُطوات بطيئة مُخادعة، مُبتعدًا عن الصدمات المباشرة. إنه لا يقول لك: "كن من أهل النار"، لأنه يعلم أن فطرتك السليمة ستأبى ذلك. بل يبدأ معك تدريجيًا، يزين لك المعصية، ويُقلل من شأنها، ويُسقطها من هيبة التحريم في قلبك. قال تعالى: "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ وَمَنْ يَتَّبِعْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ فَإِنَّهُ يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ" (النور: 21). هذه الآية تُبين أن خطوات الشيطان متدرجة، تبدأ بالصغير لتصل إلى الكبير، وتبدأ بالحرام اليسير لتصل إلى الفحشاء والمنكر.


حب المعاصي: ميل خفي إلى أفعال الشيطان

قد تجد أناسًا يُحبون المعاصي، بل ويتمنون انتشارها، والعياذ بالله. إنهم في الحقيقة يُحبون أفعال اتباع الشيطان، وإن أنكروا محبتهم للشيطان نفسه. فلو سألت أحدهم: "أتحب الشيطان؟" لأجابك: "أعوذ بالله!" لكن أفعالهم تُناقض أقوالهم. السبب في ذلك أن الشيطان ماكر، لا يُواجهك بالحقيقة المُرة، بل يُزيِّن لك الباطل ويُغطيه بغلاف جذاب.


تزيين الشيطان ووسائل إغوائه

يُجيد الشيطان استخدام أساليب الإغواء، ومنها "الزن على الودان"، أي التكرار المستمر لسماع الكلام عن المعاصي حتى تألفه النفس وتتعود عليه. في البداية، قد تكون النفوس كارهة للحرام ومنفرة منه، ولكن مع تكرار السماع والرؤية، يبدأ الحاجز النفسي في الانهيار. وقد حذرنا الله من هذا المصير فقال: "وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ وَإِمَّا يُنْسِيَنَّكَ الشَّيْطَانُ فَلَا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَى مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ" (الأنعام: 68). وهذه الآية تُغلق علينا باب التعود على سماع الكلام عن المعاصي، لأن التعود على الاستماع إليها يُعدّ خطوة أولى نحو الوقوع فيها، والعياذ بالله.


خطر الأعذار والمبررات الواهية

تزداد الخطورة مع تغير الزمان، وانتشار فكرة أن "الكل يفعل هذه المعصية"، أو وجود مبررات واهية لارتكابها، مثل الضيق أو الغضب أو غير ذلك. هذه المبررات تُضعف من قيمة الذنب في النفوس وتُسهل ارتكابه. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "الحلال بين والحرام بين، وبينهما أمور مشتبهات، فمن اتقى الشبهات فقد استبرأ لدينه وعرضه، ومن وقع في الشبهات وقع في الحرام، كالراعي يرعى حول الحمى يوشك أن يرتع فيه" (متفق عليه). هذا الحديث الشريف يُؤكد على خطورة التهاون في الأمور المشتبهة التي تُوصل إلى الحرام، فكيف بالوقوع في الحرام الصريح مع تبريره!


رجم الجمرات: تأكيد عملي لكراهية الشيطان

من هنا، كان لابد أن يجعل الله سبحانه رجم الشيطان بالحجارة إحدى شعائر الحج العظيمة. هذه الشعيرة ليست مجرد فعل رمزي، بل هي تأكيد عملي على كراهية المسلم للشيطان وأفعاله. قد يتساءل البعض: "ما الذي سيتغير عندما أرمي الشيطان بالحجارة؟ وهل هناك شياطين حقيقية هناك؟"


المقصود ليس أنك ترمي شيطانًا حقيقيًا حاضرًا أمامك، بل المقصود هو تأكيدك لنفسك أنك تكره الشيطان. فكم من الناس قد ينسون هذه الكراهية مع مرور الوقت، وبتأثير وسوسة الشيطان وتزيينه للمعاصي. عندما تُعلن كراهيتك للشيطان بقولك، فهذا أمر جيد، ولكن عندما تُترجم هذه الكراهية إلى فعل ملموس مثل رجم الجمرات، فهذا أفضل بكثير. فالفعل أقوى تأثيرًا من القول، وهو يُبرمج العقل الباطن على أنك تكره الشيطان وأفعاله. وبالتالي، يتغير سلوكك لا إراديًا، وتُبتعد عن كل ما يُشبه أفعال الشيطان.


تجديد العهد مع الله وطلب الحماية

وبفعل رجم الجمرات، فإنك تُعلن لربك: "يا رب، إني أُؤكد لك كراهيتي للشيطان، وأفعل كل ما بوسعي لأُظهر هذه الكراهية. فاجعلني بعيدًا عنه، وأبعده عني وعن أفعاله". إنه تجديد للعهد مع الله، وطلب صريح للحماية من وسوسة الشيطان وشره.


الأثر العميق لرجم الجمرات على النفس

قد يبدو رجم الجمرات فعلًا بسيطًا، لكن أثره على النفس عميق وكبير. إنه يُذَكّر المسلم بعداوة الشيطان، ويُقوي في قلبه العزيمة على مقاومة وسوساته، والابتعاد عن كل ما يُغضب الله. إنه تدريب عملي على الصبر والثبات على الحق، ومقاومة الأهواء والشهوات.


ختامًا، نسأل الله العظيم أن يُبعد عنا الشيطان ووساوسه وأفعاله، وأن يُثبتنا على الحق والخير، وأن يجعلنا من عباده الصالحين الذين يُعادون الشيطان ظاهرًا وباطنًا. فما رأيك في أهمية هذه الشعيرة في تعزيز كراهيتنا للشيطان؟




ليست هناك تعليقات

اهلا وسهلا بك
الموقع يرحب بتعليقك
اكتب تعليقك