خطبة أيام التشريق وعيد الأضحى: أكل وشرب وذكر وشكر وتسامح للشيخ محمد مصطفى ظاهر الجندي
أيام التشريق وعيد الأضحى: أكل وشرب وذكر وشكر وتسامح
مقدمة الخطبة:
الحمد لله الكبير المتعال، الذي دلّ خلقه على عظمته وكبريائه، وبرهن عطاؤه وإمهاله على حلمه وعفوه ورحمته. "ذَلِكَ بِأَنَّ اللهَ هُوَ الحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ البَاطِلُ وَأَنَّ اللهَ هُوَ العَلِيُّ الكَبِيرُ" [الحج:62]. نحمده حمد الشاكرين، ونستغفره استغفار المذنبين، ونسأله من فضله العظيم؛ فهو الجواد الكريم، الغني عن العالمين. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، رب السموات السبع ورب الأرض ورب العرش العظيم، وأشهد أن نبينا محمدا عبده ورسوله؛ خير من صلى وصام وحج وذكر الله تعالى. أخبرت عنه زوجه عائشة رضي الله عنها فقالت: "كان النبي صلى الله عليه وسلم يَذْكُرُ اللَّهَ على كُلِ أَحْيَانِهِ" صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وأصحابه وأزواجه وأتباعه إلى يوم الدين.
أما بعد: فاتقوا الله تعالى وأطيعوه، وعظموا حرماته، والتزموا شريعته، ولا تتعدوا حدوده "وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ وَإِنْ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الضَّالِّينَ" [البقرة:198].
أيها الناس، عظمة المخلوق دليل على عظمة الخالق سبحانه. فمن نظر إلى الأرض وما عليها رأى من عجائب المخلوقات ما لا يعده العادون ولا يحصيه المحصون. وما في السماء عجائب نعلم قليلًا منها ويخفى علينا أكثرها، وكل ذلك من الأدلة على عظمة الخالق سبحانه، فاستحق سبحانه أن يعظّم ويكبّر، ويفرد بالعظمة والكبرياء "عَالِمُ الغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الكَبِيرُ المُتَعَالِ" [الرعد:9].
نحن الآن نعيش في أيام مباركة، أيام التشريق، التي تلي يوم النحر، عيد الأضحى المبارك. هذه الأيام ليست مجرد أيام عادية تمر بنا، بل هي أيام عظيمة خصها الله بفضائل وخصائص تدعو إلى التفكر والشكر والامتنان. ففيها تتجلى حكمة الله ورحمته بعباده، حيث أباح لهم الأكل والشرب والتمتع بالطيبات، وجعلها مناسبة للذكر والشكر، بل وحرّم فيها الصيام ليدل على كرمه وجوده على عباده.
أيام التشريق: أيام أكل وشرب وذكر وشكر
لقد وصف رسول الله صلى الله عليه وسلم أيام التشريق بأنها "أيامُ أكْلٍ وَشُرْبٍ وَذْكْرِ اللَّهِ تَعالى" (صحيح مسلم). هذا الحديث الشريف يلخص لنا جوهر هذه الأيام المباركة.
الأكل والشرب: في هذه الأيام، يحل للمسلمين أن يأكلوا من لحوم الأضاحي التي تقربوا بها إلى الله، وهي نعمة عظيمة تستوجب الشكر. إنها دعوة إلى الفرح والسرور بعد أداء المناسك والعبادات. وهذا لا يعني الإسراف أو التبذير، بل هو دعوة إلى الاعتدال والتمتع بالطيبات التي أحلها الله. وكما جاء في الحديث القدسي: "إن الله عز وجل يرضى عن العبد أن يأكل الأكلة فيحمده عليها ويشرب الشربة فيحمده عليها." فالنعم إذا استُعين بها على طاعة الله زادت وبركت، ومن استعان بها على المعصية فقد كفر نعمة الله.
ذكر الله تعالى: الذكر في هذه الأيام ليس مجرد ترديد للكلمات، بل هو حالة قلبية دائمة من الشكر والتعظيم لله. وقد أمر الله تعالى بذكره في الأيام المعدودات فقال: "وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ" [البقرة:203]. وهذا الذكر يتجلى في صور متعددة:
التكبير: وهو من أبرز أنواع الذكر في هذه الأيام، فقد كان عمر بن الخطاب وعبد الله بن عمر رضي الله عنهما يكبران بمنى في قبتهما، فيسمعه الناس فيكبرون، فترتج منى تكبيرًا. فالتكبير بعد الصلوات، وعند الجمرات، وعلى الفرش، وفي الطريق، وفي كل حال، يعظم الله في قلوبنا ويذكرنا بعظمته وقدرته.
قراءة القرآن: فهي من أفضل الأذكار وأعظمها، وتغذي الروح والقلب.
الدعاء: أيام التشريق من الأوقات التي تُجاب فيها الدعوات، خاصة عند رمي الجمرات الصغرى والوسطى. "اللهم آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار" من الأدعية الجامعة التي كان النبي صلى الله عليه وسلم يكثر منها.
الحمد والشكر: على النعم الظاهرة والباطنة، وعلى إتمام المناسك وقبول الأعمال. فإذا كان شكرنا نعمة من الله، فكيف لنا أن نبلغ الشكر إلا بفضله؟
عيد الأضحى: تضحية وفداء وتسامح
يوم النحر هو قمة هذه الأيام المباركة، وهو يوم العيد الكبير، حيث يذبح المسلمون الأضاحي تقربًا إلى الله تعالى. هذه الأضاحي ليست مجرد لحوم تذبح، بل هي رمز للتضحية والفداء، وتذكرنا بقصة نبي الله إبراهيم عليه السلام وابنه إسماعيل عليه السلام، وكيف امتثلا لأمر الله عز وجل.
"وَالْبُدْنَ جَعَلْنَاهَا لَكُمْ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ لَكُمْ فِيهَا خَيْرٌ فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا صَوَافَّ فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ كَذَلِكَ سَخَّرْنَاهَا لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ * لَنْ يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلَا دِمَاؤُهَا وَلَكِنْ يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنْكُمْ كَذَلِكَ سَخَّرَهَا لَكُمْ لِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَبَشِّرِ الْمُحْسِنِينَ" [الحج:36-37].
هذه الآيات الكريمة توضح لنا أن الهدف من الأضحية ليس اللحم أو الدم، بل هو التقوى التي في القلوب. إنها تعبير عن الطاعة المطلقة لله، والاستعداد للتضحية بكل غال ونفيس في سبيله.
التسامح: قيمة إسلامية متأصلة
في هذه الأيام المباركة، حيث يجتمع الناس على ذكر الله وشكره، تتجلى قيمة عظيمة من قيم الإسلام، وهي التسامح. فعيد الأضحى هو فرصة لتصفية القلوب، ومدّ يد الصفح والغفران، وتجاوز الخلافات.
تسامح المسلم مع أخيه: الأعياد هي أيام للمصالحة والتآخي. فكما سامح الله عباده بغفران ذنوبهم في هذه الأيام المباركة، وكما أمرنا بالذكر والشكر، دعانا أيضًا إلى إصلاح ذات البين، والتسامح مع من أخطأ في حقنا. إن روح العيد تدفعنا إلى نسيان الأحقاد والضغائن، والبدء بصفحة جديدة مليئة بالمحبة والوئام.
التسامح مع غير المسلمين: الإسلام دين يدعو إلى التسامح والتعايش السلمي مع الجميع، بغض النظر عن ديانتهم أو معتقداتهم. ففي هذه الأيام التي يعم فيها الفرح، ينبغي أن نكون مثالًا للتسامح وحسن الجوار، وأن نتعامل مع الجميع بالعدل والإحسان، ونظهر لهم سماحة ديننا وعظمته.
الخاتمة:
أيها المسلمون، إن أيام التشريق وعيد الأضحى ليست مجرد أيام للاحتفال والانشغال بالمأكل والمشرب، بل هي فرصة عظيمة لتقوية إيماننا، وتجديد عهدنا مع الله، وتطهير قلوبنا من كل ما يعلق بها من شوائب. فلنجعلها أيامًا نكثر فيها من ذكر الله وشكره، ونتقرب إليه بالطاعات، ولنجعلها أيامًا للتسامح والعفو والصفح، لننال عفو الله ورضاه.
ولنتذكر أن المؤمن يعيش على الذكر ويموت عليه وعليه يبعث، وأن أعمال الدنيا تنقطع بانقطاعها، أما ذكر الله فلا ينقطع. فاللهم اجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، واجعل أيامنا كلها أعيادًا في طاعتك وذكرك وشكرك.

Post a Comment