احذر الرضا بالدنيا: حين يكون العطاء هو عين المنع. مقال جديد بقلم الشيخ الدكتور محمد مصطفي ظاهر الجندي 01100241050
## حين يستوي الذهب بالتراب: اختبار الاصطفاء لأهل الجنة
إن من أعظم نعم الله على العبد أن يكتبه عنده من أهل الجنة، لكن هذا التشريف لا يأتي بالمجان، بل هو مقام يُبنى على التمحيص والابتلاء. إن الطريق إلى الجنة محفوف بالمكاره، ليس لأن الله يريد تعذيبنا، بل ليُهذّب أرواحنا حتى نصل إلى مرحلة **"تجريد التوحيد"**، حيث يعبد العبد ربه لذاته، لا لمصلحة يرجوها ولا لرهبة يخشاها من بشر.
### الاختبار: لماذا يُمتحن أهل الجنة؟
يظن البعض أن الإيمان يجلب الرخاء الدنيوي فوراً، لكن الحقيقة القرآنية تقول غير ذلك:
> **"أَحَسِبَ النَّاسُ أَن يُتْرَكُوا أَن يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ"** (العنكبوت: 2).
>
الله يبتلي عبده الذي يحبه حتى "يستوي عنده الذهب بالتراب". هذه العبارة ليست مجرد مبالغة، بل هي وصف لحالة **الزهد الحقيقي**؛ وهي أن تفرغ قلبك مما سوى الله. فإذا أعطاك الله الذهب، لم يفرح به قلبك فرح بطر، وإذا سلب منك الدنيا وصار حالك كالتراب، لم ينقص من إيمانك ذرة.
### عبادة "المستحق" لا عبادة "الأجير"
هناك فرق دقيق بين من يعبد الله كأنه "أجير" ينتظر الراتب (الجنة) أو يهرب من العقاب (النار)، وبين من يعبد الله لأنه **المستحق للعبادة**.
* **الله هو الخالق:** الذي أوجدك من عدم.
* **الله هو المالك:** الذي ناصيتك بيده.
* **الله هو الملك:** الذي لا يخرج عن سلطانه شيء.
عندما تصل لمرحلة أنك تعبد الله "لأنه الله"، هنا فقط تذوق حلاوة الإيمان. يقول ابن القيم رحمه الله: *"في القلب شعث لا يلمه إلا الإقبال على الله، وفيه وحشة لا يزيلها إلا الأنس به في خلوته"*.
### فتنة "فتح الدنيا" كعلامة خطر
أخطر ما يواجه الإنسان ليس الابتلاء بالمنع، بل **الابتلاء بالعطاء**. فإذا رأيت الدنيا قد فُتحت لك وأنت مقصر أو عاصٍ، فاحذر أن يكون ذلك استدراجاً، ليكون نصيبك قد عُجّل لك في الدنيا ولا خلاق لك في الآخرة.
يقول النبي ﷺ:
> **"إذا رأيت الله يعطي العبد من الدنيا على معاصيه ما يحب، فإنما هو استدراج"** (رواه أحمد).
>
### من قصص المصطفين: الرضا في قلب البلاء
1. **قصة ماشطة ابنة فرعون:** لم يثنِها الذهب والجاه عن قول "ربي وربك الله"، وصبرت حتى رأت أولادها يُلقون في الزيت المغلي، لأنها كانت تعبد "المستحق" لا "المخيف" (فرعون).
2. **عروة بن الزبير:** حين قُطعت رجله في نفس اليوم الذي مات فيه ابنه، لم يزد على أن قال: *"اللهم لك الحمد، لئن كنت أخذت فقد أعطيت، ولئن كنت ابتليت فقد عافيت"*. هذا هو استواء الذهب بالتراب؛ فقد كانت الدنيا في يده لا في قلبه.
### منهج العمل: إن لم تستطع الرضا.. فاصبر
الرضا درجة عالية، وهي سكون القلب تحت مجاري الأحكام. فإن لم تستطع الوصول إليها في بدايات الابتلاء، فعليك بـ **"الصبر"**.
* **الرضا:** جنة الدنيا.
* **الصبر:** لجام النفس عن السخط.
تذكر دائماً أن الابتلاء هو "رسالة حب" لتعود إلى الفطرة، ولتعلم أن الله لم يخلقك لتعمر الأرض كغاية، بل لتتخذها جسراً إلى ملكه العظيم.
انتبه لقلبك، هل تعبد الله لأجله؟ أم لأجل دنيا تصيبها؟ اجعل شعارك: *"إلهي، أنت مقصودي ورضاك مطلوبي"*. فإذا استوى عندك لمعان الذهب بغبار التراب، فابشر.. فقد وضعت قدمك على أول طريق أهل الجنة.
نعم، هذا المعنى حاضر بقوة في القرآن الكريم، وهو تحذير شديد للذين انغمسوا في الشهوات وجعلوا الدنيا هي غاية آمالهم، فأعطاهم الله مرادهم فيها ثم حُرموا في الآخرة.
إليك الآيات التي تحمل هذا المعنى:
### 1. آية الاستمتاع والذهاب بالطيبات
هذه هي الآية الأقرب للمعنى الذي ذكرته، حيث يوبخ الله الكافرين يوم القيامة لأنهم استنفدوا نصيبهم من السعادة في الدنيا فقط:
> **"وَيَوْمَ يُعْرَضُ الَّذِينَ كَفَرُوا عَلَى النَّارِ أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمُ الدُّنْيَا وَاسْتَمْتَعْتُم بِهَا فَالْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَبِمَا كُنتُمْ تَفْسُقُونَ"** (سورة الأحقاف: 20).
>
### 2. آية "من كان يريد العاجلة"
هذه الآية توضح قانون "التعجيل"، فمن كانت نيته الدنيا فقط، يعطيه الله فيها، ولكن مصيره في الآخرة هو الخسران:
> **"مَّن كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَن نُّرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلَاهَا مَذْمُومًا مَّدْحُورًا"** (سورة الإسراء: 18).
>
### 3. آية "من كان يريد حرث الدنيا"
تؤكد هذه الآية أن من يزرع للدنيا فقط، لن يجد له نصيباً في زرع الآخرة:
> **"مَن كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الْآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ ۖ وَمَن كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِن نَّصِيبٍ"** (سورة الشورى: 20).
>
### 4. آية توفية الأعمال في الدنيا
هنا يبين الله أن العدل الإلهي يقتضي أن من عمل صالحاً (لكنه لا يؤمن بالآخرة أو يريد وجه الدنيا) أن يوفى أجره كاملاً في الدنيا، فلا يظلم شيئاً، ولكن حسابه في الآخرة يكون "النار" لأن عمله كان لغير الله:
**"مَن كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لَا يُبْخَسُونَ * أُولَٰئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ إِلَّا النَّارُ ۖ وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا فِيهَا وَبَاطِلٌ مَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ"** (سورة هود: 15-16).
هذه الآيات هي "الجانب التحذيري" ؛ فبينما يبتلي الله المؤمن ليطهره ويرفع درجته في الجنة (ليستوي عنده الذهب والتراب)، فإنه قد يعطي الكافر أو المرائي كل "الذهب" في الدنيا ليكون هو نصيبه الوحيد، فيدخل الآخرة "مفلساً".
**لذلك كان عمر بن الخطاب رضي الله عنه يقول حين يرى ترف الدنيا:**
*"لو شئت لكنت أطيبكم طعاماً وألينكم لباساً، ولكنّي أستبقي طيّباتي"*. (خوفاً من آية سورة الأحقاف المذكورة أعلاه).
Post a Comment