مع اول امتحان خفيف من ربنا اعترضت علي قضاء الله تعالي نناقش الموضوع ببساطه مع الشيخ الدكتور محمد مصطفى ظاهر الجندي
كم مرة ربنا سترها معاك؟
دعنا نتوقف لحظة ونتأمل: كم مرة ربنا سترها معاك وأنت لا تدري؟ عدد لا يحصى من المرات، في صحتك، في أهلك، في رزقك، في أمور كنت تحسبها معقدة فإذا بها تتيسر من حيث لا تحتسب. ربنا سترها معاك في أمورًا لو كُشفت لقضّت مضجعك أو سببت لك حرجًا بالغًا. هذا الستر المتواصل هو دليل على لطف الله وكرمه وفضله العظيم علينا، وغالبًا ما يمر دون أن نلحظه أو نقدره حق قدره.
إذا كان الله قد غمرك بكل هذا الستر والعناية، فلا تحزن ولا تيأس إذا ما أصابك ابتلاء في جانب واحد من حياتك. قف وقارن بين النعم التي لا تُعد ولا تُحصى، وبين هذا الابتلاء الواحد. ستجد أن كفة ستر الله وفضله أرجح بكثير.
أمثلة على ستر الله ولطفه:
من القرآن الكريم:
قصة نبي الله موسى عليه السلام عندما وضعته أمه في التابوت وألقته في اليم، فربنا سترها معاه أن التقطه آل فرعون وأن شب وتربى في بيت عدوه اللدود، يقول تعالى: {وَقَالَتِ امْرَأَةُ فِرْعَوْنَ قُرَّتُ عَيْنٍ لِّي وَلَكَ ۖ لَا تَقْتُلُوهُ عَسَىٰ أَن يَنفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ} [القصص: 9]. لطف الله به و بإمه بأن أعاده إليها رضيعًا، {فَرَدَدْنَاهُ إِلَىٰ أُمِّهِ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُهَا وَلَا تَحْزَنَ وَلِتَعْلَمَ أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ} [القصص: 13].
لطف الله بنبيه يوسف عليه السلام حينما ألقاه إخوته في البئر، ثم بيع عبدًا، ثم سُجن ظلمًا، ومع كل ذلك كانت يد العناية والستر تحوطه حتى أصبح عزيز مصر، {وَكَذَٰلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ يَتَبَوَّأُ مِنْهَا حَيْثُ يَشَاءُ ۚ نُصِيبُ بِرَحْمَتِنَا مَن نَّشَاءُ ۖ وَلَا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ} [يوسف: 56].
من السنة النبوية:
لطف الله بالنبي صلى الله عليه وسلم وصاحبه أبي بكر رضي الله عنه في غار ثور، عندما تتبعهم الكفار إلى باب الغار، ولكن الله صرف أبصارهم عنهم، وضرب العنكبوت على باب الغار عشه، وكأن شيئًا لم يكن. قال أبو بكر للنبي صلى الله عليه وسلم: "لو أن أحدهم نظر تحت قدميه لأبصرنا"، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "يا أبا بكر ما ظنك باثنين الله ثالثهما" (رواه البخاري ومسلم).
ما رواه الإمام مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " لا يستر عبدٌ عبدًا في الدنيا إلا ستره الله يوم القيامة". هذا الحديث يدل على أن ستر الله على عباده في الدنيا من شيمته سبحانه، وجزاءً لمن يستر أخاه المسلم.
من الأثر والقصص:
يُروى عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه كان يتفقد أحوال رعيته ليلًا، فسمع امرأة تقول: "أنا لا أحب عمر بن الخطاب"، فستر الله عليه ولم يُظهر لها أنه عمر. وفي قصة أخرى، ذهب ليتفقد بيتًا ورأى دخانًا، فإذا بامرأة تطعم أولادها حجارة، فذهب بنفسه وحمل الدقيق على ظهره ليوصل الطعام إليهم. هذا ستر من الله على حال هذه المرأة، وتوفيق لعمر ليكشف هذا الأمر ويُصلحه.
قصة الإمام أحمد بن حنبل عندما سُجن وعُذب في محنة خلق القرآن، فكان صبره وثباته سترًا من الله عليه، ورفعة له في الدنيا والآخرة، وصار قدوة للأمة.
من أبيات الشعر:
يقول الإمام الشافعي:
دع الأيام تفعل ما تشاءُ
وطب نفسًا إذا حكم القضاءُ
ولا تجزع لحادثة الليالي
فما لحوادث الدنيا بقاءُ
هذه الأبيات تحث على الرضا والتسليم لقضاء الله، وتذكر بأن الدنيا زائلة وأن الابتلاءات مؤقتة، وستر الله دائم.
ومن الشعر أيضًا
هنا لا يوجد ستر بالمعنى المباشر، لكن فيه تذكير بستر الله على المظلوم وكشفه لحال الظالم في الآخرة. الأبيات التي ذكرتها سابقًا عن التسليم لقضاء الله أقرب للمعنى المطلوب.
الرضا بقضاء الله: مفتاح الراحة والسعادة
إن الاعتراض على قضاء الله وقدره – والعياذ بالله – ليس فقط من الأمور التي تُغضب الله سبحانه وتعالى، بل هو أيضًا سبب في طول مدة الابتلاء، وزيادة الألم، وحرمان القلب من الطمأنينة. فمشيئة الله نافذة، ولن يكون إلا ما أراد سبحانه وتعالى.
كن واعيًا بحكمة الله في كل قدر، راضيًا بقضائه، شاكرًا لنعمه التي لا تُحصى. بهذا الرضا، ستجد السكينة تملأ قلبك، والراحة تغمر نفسك، والفرح والسعادة يصبحان جزءًا أصيلًا من حياتك، حتى في خضم الابتلاءات. فالإيمان بالقضاء والقدر ركن من أركان الإيمان، وبه يتحقق كمال التسليم لله، وتطمئن النفس إلى تدبيره الحكيم.

Post a Comment